أسامة داود يكتب عن: شقة عمرها ١٠٠ عام.. من عداد مسبق الدفع إلى كودي بأعلى شريحة
بأثر رجعي هل أصبح المواطن متهمًا حتى يثبت العكس؟
لا تبدأ
القضايا الكبرى دائمًا بقرار وزاري، ولا بمؤتمر صحفي، ولا ببيان رسمي. أحيانًا
تبدأ برسالة على هاتف، أو باستغاثة يائسة من مواطن لم يعد يعرف لماذا يدفع، ولمن
يدفع، وبأي حق تُغيَّر شروط تعاقده بعد سنوات من الالتزام.
من بين. عشرات الرسائل التي تصلني يوميًا عبر الهاتف وواتساب من مواطنين يشكون فواتير
الكهرباء والعدادات الكودية، توقفت طويلًا أمام شكوى المواطن حسن علي محمد عمار.
لم تكن شكواه طلبًا للإعفاء من فاتورة، ولا اعتراضًا على استهلاك لم يقم بسداده،
وإنما كانت سؤالًا بسيطًا وموجعًا في الوقت نفسه: كيف يتم سحب عدادات عادية من
مبانى عمرها 100 عام لتستبدل بعدادات مسبقة الدفع ثم تتحول الى كودية وفرض الشريحة الموحدة بالقوة
الجبرية؟
الرجل
تعاقد في أغسطس 2023 على تركيب عداد بناء على قرار شركة الكهرباء بتغيير العدادات
الى مسبقة الدفع، وتم الزام صاحب كل وحدة تم تغيير العداد بها بسداد ثلاثة آلاف
جنيه تكلفة التركيب، وتم تركيب العداد وتشغيله باعتباره عدادًا سكنيًا يخضع لشرائح
الاستهلاك المعروفة.
ظل الأمر كذلك قرابة ثلاث سنوات، قبل أن يفاجأ في يونيو 2026 بأن نظام المحاسبة قد تبدل، وأصبح العداد يُحاسب وفق الشريحة الموحدة والأعلى، بسعر يبلغ 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة، وهو ما أدى إلى استنزاف رصيده بصورة غير مسبوقة، حتى تجاوز ما دفعه أكثر من الفى جنيه خلال شهر فقط، رغم أن الوحدة ليست متجراً ولا ورشة ولا مصنعًا، وإنما شقة سكنية داخل منزل عائلي قائم منذ أكثر من مائة عام.
المواطن
المكلوم بظلم وزير الكهرباء ورجالة المنتشرون على طول البلاد وعرضها لفرض مبدأ
العداد الكودى بتوحيد شريحته وفق أعلى شريحة بهدف امتصاص دماء المواطنين.
والشريحة
الموحدة في اطار رحلة الوزارة في إستخدام الكهرباء التي تمثل انبوبة الاكسجين في
فرض تحصيل مليارات الجنيهات دون سند من القانون وعبر قرارات مخالفة للدستور وعلى
طريقة فتوات زمان التي عبر عنها الأديب العالمى نجيب محفوظ في رواياته والتي تنتزع
قروش الغلابة منهم أو تكسير جماجمهم.
السؤال
هنا لا يتعلق بالمواطن حسن علي وحده، وإنما يتعلق بالمبدأ نفسه.
إذا كانت
شركة الكهرباء ترى من الضرورى تغير العدادات العادية بمسبقة الدفع ، فكيف يتم فرض
العدادات الكودية على مبانى عمرها عشرات السنين وبما يصل الى قرن من الزمان، فأين
المعاينة؟ وأين الإخطار؟ وأين القرار الإداري الذي يبين أسباب هذا التعديل؟ وكيف
يُغيَّر نظام محاسبة تعاقدي قائم دون علم صاحبه أو موافقته؟
الأخطر
من ذلك أن مثل هذه الوقائع لم تعد استثناءً، وإنما أصبحت تتكرر في مئات، وربما
آلاف الشكاوى التي وصلتني خلال الأسابيع الماضية، وجميعها تدور حول مفاجأة واحدة:
عدادات كودية سكنية أصبحت تُحاسب فعليًا على أعلى سعر للكهرباء، وكأن الأصل في
المساكن مهما مرعليها من زمن هي مخالفة وغير قانونية وبالتالي وجب استخدام نبوت وزير
الكهرباء في تكسير عظام وجماجم المواطنين بإعتباره وزير من النوع التقيل ومن فتوات
الزمن الحالي.
هذه
الشكوى ليست غاية المقال، وإنما تأتى فى اطار حملتى التي بداتها منذ بداية
ابريل الماضى.
لكن على وزير الكهرباء أن يعلم أن وراء هذه الواقعة ملف بالغ الخطورة يتعلق بالعدادات الكودية في مصر، وبطريقة محاسبتها، وبالفروق المالية الهائلة التي يتحملها المواطنون، وبالمليارات التي يقوم بتحصيلها نتيجة لإخضاع ملايين العدادات لنظام لا يستفيد من شرائح الاستهلاك السكنية.
هل تحولت
العدادات الكودية من وسيلة لتقنين أوضاع المواطنين إلى وسيلة لتحصيل أعلى سعر
للكهرباء؟
وهل ما جرى مع المواطن حسن على مجرد خطأ فردي.. أم أنه جزء من مشكلة أكبر تستحق أن تفتحها الحكومة بشفافية كاملة؟
